أحمد بن محمد بن عجيبة الحسنى
46
إيقاظ الهمم في شرح حكم سيدي أحمد بن عطاء الله السكندري
ومثل ذلك كالأمراض والأوجاع والشدائد والأهوال وكل ما يثقل على النفس ويؤلمها كالفقر والذل وأذية الخلق وغير ذلك مما تكرهه النفوس ، فكل ما ينزل بك من هذه الأمور فهي نعم كبيرة ومواهب غزيرة تدل على قوة صدقك إذ بقدر ما يعظم الصدق يعظم التعرف : « أشدّكم بلاء الأنبياء فالأمثل فالأمثل « 1 » » ، والصدق متبوع « 2 » . وإذا أراد اللّه أن يطوي مسافة البعد بينه وبين عبده سلط عليه البلاء حتى إذا تخلص وتحرر صلح للحضرة كما تصفي الفضة والذهب بالنار لتصلح لخزانة الملك . وما زالت الشيوخ والعارفون يفرحون بهذه النوازل ويستعدون لها في كسب المواهب كان شيخ شيوخنا سيدي على العمراني رضي اللّه تعالى عنه يسميها ليلة القدر ويقول : كل الخيرة هي ليلة القدر التي هي خير من ألف شهر وذلك لأجل ما يجتنيه العبد منها من أعمال القلوب التي الذرة منها أفضل من أمثال الجبال من أعمال الجوارح . وقد قلت في ذلك بيتين وهما : إذا طرقت بابي من الدّهر فاقة * فتحت لها باب المسرّة والبشر وقلت لها أهلا وسهلا ومرحبا * فوقتك عندي أحظى من ليلة القدر واعلم أن هذه التعرفات الجلالية هي اختبار من الحق ، ومعيار للناس . وبها تعرف الفضة والذهب من النحاس . فكثير من المدعين يظهرون على ألسنتهم المعرفة واليقين ، فإذا وردت عليهم عواصف رياح الأقدار ألقتهم في مهاوي القنوط والإنكار : من ادعى ما ليس فيه فضحته شواهد الامتحان . وكان شيخ شيخنا مولاي العربي رضي اللّه تعالى عنه يقول : العجب كل العجب ممن يطلب معرفة اللّه ويحرص عليها فإذا تعرف له الحق تعالى هرب منه وأنكره . وقال شيخنا البوزيدي رضي اللّه تعالى عنه : هذه التعرفات الجلالية على
--> ( 1 ) رواه البخاري ( 5 / 2139 ) ، والنسائي في الكبرى ( 4 / 352 ) . ( 2 ) أي بالمعرفة ولطائف المنن .